مقالات

أسعار الدواء تزيد أوجاع المصريين..!!

بقلم مدبولي عتمان :

نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية

لفت نظري وأنا خارج من صلاة العشاء سيدة عجوز تحاول ان تكفكف دموعها وتهمهم بكلمات غير مسموعة، فاس10502258_10152559652133809_6619109144586295442_nتوقفتها استفسر عما أصابها، فقالت بصوت مخنوق :” حسبي الله ونعم الوكيل.. علبة الدوا اشتريها كل مرة بعشرة جنيه.. المرة دي طلب 50 جنيه.. اجيب منين و انا معاشي كله 300 جنيه “. اعتقدت أن هناك خطأ ما ، فليس من المعقول ان يرتفع سعر الدواء 500 % بين عشية وضحاها. وذهبت معها استفسر من الصيدلي فأكد أنه لا يوجد أي خطأ لأن الاسعار ارتفعت، وعندما لاحظ دهشتي قال : لا تستغرب فهناك بعض الأدوية مثل (كولمديتين) ارتفعت بنسبة اكثر من 1000% من 4 جنيهات الى 50 جنيها للعلبة الواحدة.

هذا المشهد يكشف أن المصريين سيدخلون في أزمة دواء طاحنة تضاف الى دوامة الأزمات التي تحيط بهم . ووطأة أزمة الدواء ستكون أشد لأنه سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، فقد يستطيع المريض التخلي عن بعض أصناف الطعام أو بعض الملبوسات او حتى النوم في العراء ولكن لا يمكنه الاستغناء عن الدواء ليكابد الألام. وأتفق مع القائلين بأن الدواء سلعة استراتيجية ذات أبعاد سياسية وتدخل ضمن الأمن القومي لأنها تستخدم كسلاح للضغط السياسي وخير شاهد على ما نقول أن شركه باير الألمانية العالمية امتنعت عن إمداد مصر بالأسبرين خلال حرب عام 1956تضامنا مع اسرائيل.
وبالنظر في ملف الدواء في مصر نكتشف معادلة صعبة ، ففي الوقت الذي نسعد فيه بأن مصر تقترب من الاكتفاء الذاتي حيث تصنع اكثر من 90% من احتياجاتها من الدواء . نصاب بصدمة أنها تستورد 95% من مكونات صناعة الأدوية من الخارج . مما يجعل الصناعة الدوائية فى مصر تحت تحكم السوق العالمى للدواء بجانب تأثر الدواء المصرى بتقلبات السوق العالمية.
وهناك اشكالية أخرى لا تقل خطورة وتتعلق بالشركات المملوكة للدولة التي كانت تنتج 60% من احتياجات السوق المصري من الدواء، وتراجعت حاليا لتنتج 4% فقط . وهذا التراجع لصالح شركات القطاع الخاص والشركات العالمية. ويقول الدكتور هيثم عبدالعزيز عضو نقابة الصيادلة أن الشركات المملوكة للدولة التي تتحكم الحكومة في اسعار منتجاتها الدوائية لصالح المرضى الفقراء تواجه مشاكل كبيرة، فلديها 1200 صنف دواء مسجل، تتكبد فى 600 نوع منه خسائر فادحة تبلغ

جوالى 230 مليون جنيه سنويا ، وبالتالى إما تتوقف عن إنتاجها أو تبحث عن بديل يتم استيراده بعشرة أضعاف السعر وهو ما يضر بالفقراء. ويرى الدكتور محيي عبيد، نقيب عام الصيادلة أنه من منطلق المسئولية الوطنية، تستمر تلك الشركات في أداء عملها رغم خسارتها في إنتاج بعض الأدوية زهيدة السعر من أجل توفير الدواء الآمن للمريض المصري، ولكن لا يمكن أن يستمر الأمر هكذا، فقد كان عدد الشركات الحكومية 12 شركة تقلص العدد إلى 8 شركات ولو استمر هذا الأمر خلال 5 أعوام لن يكن لدينا شركات وطنية.
ووجه آخر للأزمة كشف عنه دكتور على عوف رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية ، الذي حذر من وجود مخطط لتدمير صناعة الأدوية فى مصر واحتكارها لصالح 30 مصنعا، من خلال قرار حكومي بإلزام شركات الأدوية بأن يكون لها مصانع والا سيتم غلقها، وبالتالى سيؤدى هذا الى إغلاق 1200 شركة لأنها لن تتمكن من فتح المصانع بسبب هذا القرار التعجيزى لأن الحد الأدنى لتكلفة أي مصنع دواء تبلغ 100 مليون جنيه.
ووجه ثاني يتمثل في تجارة الأدوية منتهية الصلاحية الموجودة بالصيدليات والمتراكمة والتي يبلغ حجمها حوالي 600 مليون جنيه سنويا ، والاخطر منها تجارة الادوية المغشوشة والتي تبلغ حوالى 10% من حجم سوق الدواء المصري و

الي يقدر بـ 40 مليار جنيه سنويا.
ووجه أخير للمشكلة يتمثل في قلة ضمير بعض الاطباء والذين يكتبون ادوية باسعار غالية جدا لشركات معينة لانه يتعامل معها فقط وتعطيه الهدايا والسفر والاجهزة وتسهيلات كثيرة نظير كتابة هذه الادوية والمستفيد الطبيب والشركة المصنعة وليس المريض.والغريب ان بعض الاطباء يشكك فى الدواء المصرى ويطلب المستورد ويصر عليه. ويرتبط بها الجانب الاعتقاد الخاطئ لبعض المرضى أن الادوية غالية الثمن هي الأكثر فائدة.
ولكي تحل الأزمة كليا يقترح الخبراء تشكيل هيئة قومية عليا للدواء لوضع سياسات دوائية متعلقة بالسعر والتصدير والاستيراد والمراقبة . والامر الثاني العمل بجدية على مشروع انتاج المواد الخام الدوائية فى مصر خاصة وان الدولة تمتلك شركة النصر للصناعات الدوائية التى بدأت العمل في الستينات ولكن تدهورت اوضاعها خلال الـ 30 عاما الماضية واصبح انتاجها للمواد الخام الدوائية معدوما تقريبا وتحولت تدريجيا الى مجرد شركة لاستيراد هذه المواد من الخارج.
اما الحل العاجل فيقترحه دكتور على عوف ويرى أن تحريك الاسعار ضرورة في المقابل ، تلتزم الحكومة والتأمين الصحى بتوفير الدواء للمرضى الفقراء ، وأن تبادر الشركات الخاصة تصنيع وتجارة الأدوية والتى تحقق أرباحا كبيرة مقارنة بشركات قطاع الأعمال، أن تبادر بتقديم نسبة 10% من حجم مبيعاتها مجانا الى التأمين الصحى لمساعدة الدولة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى