مقالات

جائحة كورونا تُعرِّينا.. رسالة قصيرة لأجيالنا القادمة

 

بقلم – عبدالنبي الشعلة :

 

لن تصلكم هذه الرسالة إذا تحققت توقعات ونبوآت بعض المنجمين وبعض رجال الدين من أن هذه الجائحة أو “الملحمة الكبرى” ستؤدي إلى نهاية العالم وقيام الساعة.

وإذا لم تتحقق هذه التوقعات والنبوآت فإنكم لن تصدقوا أو تتخيلوا ما واجهناه وكابدناه خلال الأشهر الأربعة الماضية، جراء الهجمة الشرسة التي تعرضنا لها نحن معشر البشر على هذا الكوكب المضطرب، من كائن فيروسي في غاية الصغر والدقة انطلق من إحدى المدن الصينية واستطاع في سرعة خاطفة أن يغزو ويعبر الحدود وينفذ إلى صميم مكونات وجودنا المادية والمعنوية وأن يزلزل أركان قناعاتنا ومسلماتنا.

وتمكن هذا الفيروس أيضًا من إدخال الخوف والرعب والفزع إلى أعماق قلوبنا من خلال مختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي المتغلغلة في حياتنا بشكل كثيف ومركز، والتي صارت تغذينا على مدار الساعة بالأخبار والمعلومات، وبقدر أكبر من الشائعات والاجتهادات ونصائح وآراء غير الخبراء والمختصين، مما أضاف الحيرة والقلق إلى ما نعانيه من خوف ورعب.

لقد واجه العالم من قبل كوارث ونكبات مماثلة أو ربما أفظع، مثل جائحة الإنفلونزا الأسبانية التي ظهرت في وقت لم يكن الشرق يعرف عما يحصل في الغرب إلا بعد مرور وقت طويل، وذلك في العام 1918 عندما انتشرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وحصدت خلال عامين أرواح ما بين 50 إلى 100 مليون إنسان، في وقت كان العالم فيه أقل كثافة سكانية وأخف حركة وتنقلًا وتواصلًا واتصالًا مقارنة بعالمنا اليوم حيث يسافر ويتنقل بين دول العالم أكثر من 4 مليارات شخص في العام الواحد عن طريق الجو فقط، حسب إحصائيات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (أياتا)، إضافة إلى المتنقلين والمسافرين بالبواخر وعن طريق القطارات ووسائل النقل الأرضية الأخرى، لذلك فقد قدرت بعض الدراسات الموثقة عدد الأرواح التي قد تحصدها جائحة كورونا بين 15 إلى 65 مليون نسمة، آخذة في الاعتبار التقدم العلمي في مجال الطب الذي حققه العالم منذ ذلك الوقت.

ومن دون أن نبدو متشائمين، وللأسباب التي ذكرناها، فإن الكوارث والأزمات والأوبئة التي أصابت العالم من قبل تصبح شديدة الضآلة مقارنة بخطورة وفداحة الأزمة التي نعيشها الآن وتداعياتها.

لقد أخذ هذا الفيروس منذ بدايته يقصفنا بقوة وقسوة فأصاب منا حتى كتابة هذه الأسطر أكثر من مليون، وأزهق أرواح أكثر من 50 ألف إنسان، وهذه الأعداد على فداحتها فإنها ترتفع وتتضاعف يوميًا لا وفق متتالية حسابية، بل وفق متتالية هندسية، والغريب أن غالبية ضحاياه هم الآن من دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي كنا نظن أنها دول بلغت أقصى درجات الحصانة والتطور والتقدم في كافة المجالات والعلوم وبالأخص العلوم الطبية.

إننا الآن نعيش في حالة نفسية وواقعية لم يمر بها أو يعرفها أو يجربها أي جيل من قبلنا عبر تاريخ البشرية، مئات الملايين منا أُمِروا بالبقاء تحت الحجر المنزلي أو الطبي أو منعوا من التجول، وأبناؤنا لا يستطيعون الذهاب للمدارس أو الجامعات، وضمن إجراءات التباعد الاجتماعي حُرمنا من رؤية ولقاء أهلنا وأقاربنا وأصدقائنا، وضُيقت علينا إمكانيات السفر والتنقل، وأقفلت الأسواق والمجمعات والمسارح ودور السينما والمطاعم والمقاهي، وألغيت المناسبات والاحتفالات والمباريات والدورات الرياضية، وأجلت المعارض والمؤتمرات، ومنعت التجمعات والمواكب، حتى جنائز الموتى، وأغلقت أبواب المساجد والكنائس والمعابد ودور العبادة الأخرى، وحُددت الأوقات والأماكن التي يسمح للمصلين بدخولها في بيت الله الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وتوقف البابا فرنسيس عن إلقاء العظة التي كان يلقيها على الحشود كل يوم أحد من شرفة تطل على ساحة القديس بطرس بالفاتيكان التي أصبحت الآن مهجورة خاوية في كل الأيام، وانهارت أسواق المال وتراجعت مؤشراتها، وانخفضت أسعار النفط بواقع 30% دفعة واحدة منذ تفشي خبر انتشار الوباء كما تراجع الطلب عليه.

لقد استيقظنا لنكتشف كم هو صغير وضعيف وحقير هذا العالم الذي نعيش فيه، الذي أصبح كله بين عشية وضحاها فريسة سهلة لفيروس بالغ الصغر لا يرى بالعين المجردة، واكتشفنا بشكل أكثر وضوحًا أن حضارتنا التي تتصدرها الدول الغربية، أصبحت متخمة بالقيم المادية والمصلحية على حساب القيم الإنسانية والروحية.

لقد وضع هذا الفيروس بعض أركان الرأسمالية والنظام العالمي الجديد ومفاهيم العولمة واقتصاد السوق الحرة في قفص الاتهام محملًا إياهم أوزار العذابات التي تعاني منها شعوب العالم الآن.

إن تبوء الولايات المتحدة قمة الدول المتضررة من جائحة كورونا هو نتيجة حتمية لتماديها في الالتزام المفرط والخاطئ لمفهوم “السوق الحرة” وجرِها العالم من ورائها، حيث أصبح “الجشع والمنافسة بين الجشعين هي أم الاختراع في عالم الاقتصاد، كما أن القيمة الاقتصادية لم تعد تكمن في تطوير التقنيات الحديثة في الإنتاج لتحسين المستوى المعيشي للسكان بل إيجاد أسرع الطرق للحصول على الربح المادي”، كما حدد ذلك من قبل عالم الاقتصاد الأميركي «ليندون لاروش» بكل وضوح، مضيفًا: “أن المشكلة هي في سيادة أيديولوجية غريبة في المجتمع الدولي والأميركي”.

لقد طغى مبدأ المنافسة الشرسة على مبادئ التعاون والتضامن، وأصبح النمو الاقتصادي للدول المتطورة يرتكز على نمو الثروة أو الأوراق المالية وليس الإنتاج الصناعي والبنية الأساسية، ولذلك عندما وصل كورونا إلى الدول الغربية المتطورة وجدناها تفتقر إلى المرافق العلاجية الكافية المطلوبة وإلى الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية اللازمة، ووجدنا أن الصين أكثر منها استعدادًا وتقدمًا في هذه المجالات.

وربما كان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ على حق عندما وصف دول الغرب التي أسماها بالدول الإمبريالية في العام 1946 بأنها “نمور من ورق”، فقد انهارت أمامنا صورة الغرب المتحضر عندما وجدنا مئات الآلاف من مواطنيهم المصابين بكورونا تتلوى ألمًا ملقاة في أروقة وممرات المستشفيات تبحث عن سرير وعن دواء، ووجدنا جثث الموتى منهم مكدسة تنتظر من سيواريها التراب أو يتخلص منها بأي وسيلة من الوسائل.

لقد اكتشفنا أن حضارة الغرب ونحن أتباع لها، كانت ترتكز على أسس أنانية هشة مبنية على المكتسبات والمنافع المادية، وعلى فصل العقل عن الضمير والأخذ أكثر من العطاء.

ولقد أهملنا الإنسان وبشكل خاص جعلنا الحكومات تتخلى عن دورها ومسؤولياتها المباشرة في توفير التعليم والرعاية الصحية لمواطنيها، واسندنا هذه المهام الحيوية للشركات التجارية ومؤسسات القطاع الخاص، بحجة أن القطاع الخاص أكثر كفاءة في تقديم هذه الخدمات التي ستكون أفضل وأقل كلفة، فتحولت الخدمات التعليمية والرعاية الصحية إلى سلع تخضع لقانون العرض والطلب، ويتوفر أفضلها لمن يستطيع أن يدفع أكثر، وأصبحت هذه الخدمات من أكثر الأنشطة التجارية ربحًا وكسبًا للمال، حتى في أوقات الأزمات والتراجعات الاقتصادية، واستفادت إلى جانب ذلك شركات التأمين الصحي الضخمة، واعتمدت الحكومات بشكل أساسي على مراكز البحوث والتطوير التابعة للشركات الدوائية العملاقة لإنتاج الأدوية والمستلزمات العلاجية الأخرى، فصارت أسهم هذه الشركات من أكثر الأسهم رواجًا وتداولًا في الأسواق المالية، بينما توجهت الحكومات إلى الإنفاق السخي في مجالات البحوث وتطوير أسلحة الدمار الشامل والأسلحة البيولوجية وأسلحة الأجيال القادمة للحروب.

لقد حاز دونالد ترامب على ثقة الشعب الأميركي وانتخب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في يناير العام 2017 على الرغم من أن أهم أهدافه ووعوده الانتخابية كانت إلغاء برنامج “أوباما كير”، وهو البرنامج الصحي الذي أقره الكونغرس الأميركي وتم تفعيله في العام 2010 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والذي كان يوفر رعاية صحية شاملة وتأمين صحي لكل أمريكي بتكاليف منخفضة، وقد أوفى ترامب بوعده، وتم إلغاء البرناج بعد موافقة الكونغرس على ذلك في العام 2017.

من ذلك كله نستخلص أن جيلنا أخفق بكل وضوح في إدراك الواقع الحقيقي، ولذلك فإنكم يا أجيال المستقبل مطالبون بأن تكونوا أكثر وعيًا منا، وأن تستخلصوا وتستوعبوا الدروس والعبر من المحنة التي تمر بنا، وان تحرصوا على تحقيق التعاون والتضامن بين الشعوب والدول، عوضًا عن المنافسة الجشعة والمواجهة الضارية المحمومة لتصبح حياتكم أكثر أمنًا واستقرارًا من حياتنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى