كورونا… محفز للإبداع؟؟

بقلم – دكتور سعيد عطية أبو عالي:

زرت ابني محمد وهو يدرس في أمريكا وأقام لي حفل غداء في عام 1985م على ما أذكر. رتب لنا المكان على شاطئ مدينة لوس أنجليس، وكان من بين الحاضرين زميل سعودي يدرس درجة الدكتوراه، وأفاد الزميل بأن زوجته معه وتتخصص في مجال التقنيات وأنها مكبة على تحضير رسالتها عن (العمل عن بعد) وأنها تأمل أن تساهم رسالتها في مجال التنمية دون الحضور إلى مقر العمل. جنح بعضنا بالفكرة ورآها فتحا واضحا للمرأة السعودية تحديدا، فتحقق أهدافها في تربية أطفالها وفي العمل من بيتها.

هذه الأيام حل وباء كورونا الغامض ضيفا ثقيلا على الإنسانية كلها. ظهر في الصين الشعبية واخترق الحدود إلى مائة وتسع وأربعين دولة. الضيف غير مرئي وينتقل بين الأشخاص. دول كثيرة ومنها بلادنا السعودية أجلت الدراسة في جميع المراحل. ودول أغلقت حدودها في وجه القادمين بحرا وجوا وبرا ومنعت مواطنيها من السفر. بل إن دولا مثل إيطاليا وإسبانيا تمنع التنقل الداخلي بين المدن. أصاب هذا الداء أكثر من مائة ألف إنسان وحصد أكثر من سبعة آلاف من أرواح البشر.

تعطلت التجارة. أغلقت مصانع. هوت مشاريع الاستثمار لدرجة أن العمل توقف أكثر من مرة ولمدة ربع ساعة في كل مرة لالتقاط الأنفاس في بورصة (وول ستريت) بنيويورك وهي أكبر سوق عالمية للاستثمار في سوق الأسهم.

مقاومة الداء جاء في أولها حجر الناس في بيوتهم أو في المشافي. ويرافق ذلك حملة توعية ذكية للناس ابتكرتها الصين أول ضحايا الفيروس. تعزيز مبدأ النظافة في الجسم والملبس ومكان الجلوس.. والابتعاد عن المصابين. استخدمت الصين البصمة الإلكترونية بحيث يسهل على المواطن ومن خلال هاتفه النقال (الجوال) أن يتعرف على المصاب في دائرة قطرها خمسة أمتار فيما أفهم. كذلك عمدت الهيئة الصحية بالصين إلى تعميم التعليمات عن طريق الجوال ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي. بادرت السلطات التعليمية إلى التواصل مع الطلاب في جميع المراحل عن بعد. دروس تلقى، ومحاضرات تنظم وتحقق بذلك تواصل ودي بين الاساتذة وطلابهم.

قد يتواصل طلاب كثيرون مع أندادهم من بلاد أخرى. قد تدور بينهم مناقشات لتوسيع مدارك ومعارف بعضهم فيقفز على المادة الدراسية المقررة، ويتوسع على ما يسمعه من معلمه إلى مشارف معرفية أوسع وأعلى. ومن يدرس؟ لعل هذا الطالب أو هذه الطالبة يكتشف في نفسه عالما (من العلم) قديرا يحقق للإنسانية مدارات خير وتقدم في وسائل الحياة.

اجتاحت بريطانيا كارثة صحية وسموها (وباء لندن العظيم) فعلقت الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات. عاد الطالب إسحاق نيوتن من جامعة كامبردج إلى قريته وفي خلوة فكرية أبدع للعالم مجموعة من الاكتشافات أبرزها (قانون الجاذبية).

إمبراطورية النمسا عندما كانت أبرز أمم الأرض في الحضارة تعرضت لمرض الحصبة بين الأطفال عام 1767م، فسحب الناس أولادهم (ذكورا وإناثا) من فصول وقاعات الدراسة. وطاعة لوالده انسحب الطفل فولفغانغ موزارت من المدرسة ومن فيينا إلى قريتهم الريفية ونجا من الموت بمرض الحصبة. هناك، بعيدا عن المدن وضجيج الحياة تجلت موهبة موزارت فأبدع للعالم مقطوعته الموسيقية الشهيرة والحية (من الحياة) إلى اليوم (السيمفونية السادسة).

أسطورة الأدب العالمي وشاعر الأمة الانجليزية وليام شكسبير ساهم وباء الطاعون في إبراز مواهبه الشعرية إلى جانب موهبته المسرحية وذلك بدءا من عام 1592 م.. طيلة حياته أخرج للعالم مسرحيات شهيرة مثل (عطيل) و(تاجر البندقية) وديوان شعر هائل يكتنز القصائد القصيرة (Sonnets).

دعونا نترقب، بل دعونا نأمل أن يخرج لنا هذا الضيف الثقيل، هذا الوباء كورونا… مبدعا أو مبدعة أو أكثر (تعويضا من الله لعباده).

إلى جانب تحفيز التكنولوجيا لتخدم الإنسانية في مجالات الطب والتعليم، فإن كورونا وحد الإنسانية للتصدي له ومازال البحث جاريا لمعرفة كنهه وأسراره وللوصول إلى مصل يصيبه بالوهن أو يقضي عليه.

إلا أن كثيرا من الشعوب تجاوبت مع الأمة الإسلامية عندما تصاب بمرض، أو حرب أو جوع. يتشبث المسلمون في أوقات الشدة بالإتصال بالله رب العالمين. وفي أجواء كورونا نجد اللافت في الأخبار -في نظري- ثلاثة أحداث هامة:

أولها: ربط المملكة العربية السعودية شعبا وقيادة مصيرها ومخرجها من هذا الداء الغامض بالله في جميع التعليمات والإجراءات الاحترازية.

1. ضجت المنابر بالدعاء إلى الله أن يحمي الإنسانية من شر هذا الداء.

2. اعتمدت الجهات الرسمية وخاصة جهات الصحة والأمن الداخلي تعليمات الدين ومأثوراته.

3. تميز موقف الدولة وفي ضوء تعليمات القيادة عن كثير من الدول والشعوب التي اجتاحها الوباء وبالتالي:

‌أ- دعا الناس إلى الالتزام ببيوتهم.

‌ب- منح الموظفين إجازة صحية عن مدة الغياب أو عن فترة الحجر الصحي.

‌ج- الحجز الصحي في أرقى المستشفيات أو في فنادق راقية.

‌د- توفير جميع الأدوات الاستهلاكية مما جعل الناس (مواطنين ومقيمين) يشعرون بالأمل.

‌ه- إحضار.. وأقول إحضار جميع المواطنين السعوديين الذين علقوا في دول موبوءة خارج المملكة مهما كانت الأسباب.

‌و- توفير العلاج لكل مصاب من المواطنين أو المقيمين.

‌ز- توفير المعلومات عن كورونا على مدار الساعة.

في زخم مقاومة الفيروس الغامض كورونا نجد بعض الرسميين الصينيين يتوجهون إلى مواطنيهم الصينيين المسلمين، بأن يدعوا الله في صلواتهم لتخليص الأمة الصينية من هذا الداء.

يوم الخامس عشر من هذا الشهر، مارس، توجه الرئيس الأمريكي وليام ترامب إلى الشعب الأمريكي بأن يتوجهوا بالصلاة إلى الرب بأن يحمي هذا الشعب، شعب أمريكا من خطر وباء كورونا.

وأنا وقرائي وقارئاتي ندعو الله أن يحمينا ويحمي الإنسانية من جميع الأوباء والأمراض والكوارث والزلازل والجوع إنه على كل شيء قدير.

شاهد أيضاً

بديل الورد والشكولاتة!!

بقلم –  سلمان بن محمد العُمري: مما حثنا عليه ديننا الحنيف الترغيب في إدخال السرور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *