المعينا.. عرّاب الصحافة الإنجليزية في السعودية

 

عبدالله المدني

عرفته من خلال كتاباته الصحفية قبل أن ألتقيه شخصيًّا على هامش مناسبة إعلامية. وقتها أقبل عليّ معرّفًا بنفسه ومتسائلاً عن سر كتاباتي عن الهند وإعجابي بها، فأجبته: «هو السر نفسه الذي يجعلك تكتب دوما عن باكستان وتشيد بها». لاحقا شعرت أن إجاباتي كانت جافة بحق رجل أكبر مني سنًا وأعلى مقامًا وخبرة، وأردت الاعتذار لكنه كان قد اختفى بين الحشود، وفشلت محاولاتي للعثور عليه رغم أن العين لا تخطئ هيئته المميزة بطوله الفارع وبشرته البيضاء المائلة للحمرة وسكسوكته المحناة المشذبة، فضلا عن طريقته في «تنسيفة» كوفيته التي لا تتغير. تلت تلك الواقعة سنوات كنا نلتقي فيها تحت سقف واحد دون أن نتحدث ولكأنما الخصومة بين الهند وباكستان ظللتنا بظلالها. غير أنه في السنوات القليلة الماضية جمعتنا طاولات الإفطار والغداء في منتدى دبي للصحافة، وكان لابد من تبادل الأحاديث، فعلمت أنه يمتُّ بصلة قرابة مع رجل أكنُّ له الإعجاب والتقدير وهو تاجر اللؤلؤ الحجازي ومؤسس مدارس الفلاح في جدة ومكة والبحرين ودبي وحضرموت وبومبي، وأول من تملّك عقارا في قلب جادة الشانزيليزية الباريسية من عرب الخليج والجزيرة، ألا وهو الحاج محمد علي زينل الذي عاش طويلا في الهند، ودفن فيها (بسبب تجارته وليس بسبب أصوله كما يعتقد بعض الجهلاء)، وكان مقربًا من ساستها وزعمائها وأعيانها. فالحاج محمد علي زينل هو ابن عمة جد صاحبنا، وعائلة الرجلين لها صلات نسب ومصاهرة مع آل زاهد وآل أبو الحسن في جدة.

إنْ كانت دراسة الصحافة لها أثرها في البروز الإعلامي فهو رجلها بامتياز كونه درس الصحافة أكاديميا. وإنْ كانت الصحافة خبرة وتجربة فهو رائدها لأنه راكم خبرات متميزة على مدى سنوات طويلة قضاها في أكثر من مؤسسة صحافية وإعلامية سعودية. لذا ليس بمستغرب أن يُوصف خالد عبدالرحيم أحمد محمد المعينا بـ(الصحفي السعودي اللامع)، و(الكاتب السياسي-الاجتماعي المخضرم)، و(الشخصية الإعلامية المبهرة ذي الخلفية العريضة في داخل السعودية وخارجها)، ناهيك عن أنه صاحب خبرات في العلاقات العامة وشؤون التجارة الدولية توفرت لديه من تأسيسه لأول شركة سعودية استشارية في العلاقات العامة ومن عضويته في لجنة التجارة الدولية.

تلقى المعينا تعليمه في عدد من الدول منها الولايات المتحدة وبريطانيا، وقبلهما باكستان التي تخرج فيها من كلية سان باتريك التابعة لجامعة كراتشي، حاصلا على درجة البكالوريوس في الصحافة، والتي عشق فيها لعبة الكريكيت أيضا. وقد ساعدته تنقلاته الدراسية هذه على إجادة اللغة الإنجليزية ولغة الأوردو إجادة تامة إلى جانب لغته الأم، الأمر الذي انعكس إيجابا على صولاته وجولاته الصحافية، ومتابعاته لشؤون العالم وشجونها.

بدأ المعينا حياته المهنية سنة 1972 بالالتحاق بالخطوط السعودية، وعمل بعدها في وظائف مختلفة كان من بينها، وظيفة رئيس تحرير مجلة عالم السعودية الصادرة عن المؤسسة العامة للخطوط الجوية السعودية، ووظيفة مذيع في الإذاعة والتلفزيون السعوديين، فكان من أوائل السعوديين الذين ظهروا في بداية السبعينات على الشاشة الفضية يقرأون الأخبار باللغة الإنجليزية. كما عمل رئيسا لتحرير صحيفة «عرب نيوز» الناطقة باللغة الإنجليزية لمدة 11 سنة من 1982 إلى 1993، ثم عاد لرئاسة تحريرها مطلع عام 1998 إلى 2011، حيث كان رابع رئيس تحرير للصحيفة من بعد أحمد محمود ومحمد علي حافظ ومحمد الشيباني، وخلفه بعد فترته الأولى فاروق لقمان وعبدالقادر طاش، بينما خلفه بعد فترته الثانية عبدالوهاب الفايز ومحمد فهد الحارثي.

كما ترأس تحرير صحيفة (سعودي غازيت Saudi Gazette)، (ثانية الصحف السعودية الناطقة باللغة الإنجليزية وقد تأسست سنة 1976)، من عام 2012 إلى عام 2014، حيث أعاد هيكلتها على أسس علمية حديثة قبل أن يـُسلم في فبراير 2014 رئاسة التحرير للأستاذة سمية الجبرتي لتصبح الأخيرة أول سيدة ترأس تحرير صحيفة سعودية، حيث وجد المعينا في الجبرتي ما يؤهلها لإدارة دفة الصحيفة باقتدار ومهنية؛ كونها حاصلة على ماجستير اللغة الإنجليزية من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ناهيك عن خبراتها المتراكمة من كونها إحدى سيدات الأعمال الرائدات، وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة المدينة (من 2010 إلى 2013)، وكاتبة برامج في الإذاعة السعودية (2004)، ومساعدة للمدير العام للشركة السعودية لخدمة الاتصال والتسويق المتخصصة في الاستشارات والعلاقات العامة (من 2001 إلى 2002). وبهذه المناسبة صرح المعينا لوسائل الإعلام قائلا: «إن تولي امرأة منصب الرئيس التحريري المحتكر من قبل الرجال، لطالما كان واحدا من أحلامي»، وأضاف «إنها ليست مسألة مساواة بين الجنسين بل هي مسألة حصولها على هذه الفرصة التي استحقتها». وهذا بطبيعة الحال يعكس ما يكنه المعينا من احترام للمرأة ودورها في المجتمع، وما يؤمن به لجهة الدفاع عن حقوقها في الفرص والإختيار.

في أبريل 2018، كرمت صحيفة «عرب نيوز» على هامش احتفالها بمرور 3 عقود على انطلاقها وإطلاقها لتصميها الجديد خلال منتدى الإعلام العربي في دبي رئيس تحريرها الأسبق خالد المعينا، حيث سلمه رئيس التحرير الحالي فيصل عباس درعا تكريميا خاصا بالنيابة عن رئيس مجلس إدارة «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وذلك تقديرا للجهود التي بذلها خلال فترتي رئاسته للصحيفة والتي امتدت 24 عاما. وفي العام نفسه حصل على جائزة «الإنجاز مدى الحياة» من الحكومة الماليزية.

وفي عام 2007، حاز على وسام نجمة التفوق (استار امتياز) الذي يعد أعلى وسام تقدمه باكستان للمدنيين في داخلها وخارجها في مجالات الأدب والفنون والطب والعلوم، حيث قام السفير الباكستاني في الرياض نيابة عن الرئيس الباكستاني آنذاك الجنرال برويز مشرف، بتقليده الوسام المذكور.

والمتمعن في مقالات المعينا الكثيرة يجده يتنقل بين مواضيع هي صدى لأوجاع المواطن من ناحية، وانعكاس لصفاته وخصاله الكريمة في الدفاع عن المحرومين (كخدم المنازل الذين يـُضطهدن من قبل بعض أرباب العمل لجهة دفع رواتبهن الشهرية بانتظام ومنعهن من التواصل هاتفيا مع ذويهن) ومساندته لفكرة الدولة المدنية العادلة (على النحو الموجود في الديمقراطيات الغربية) وانتقاده للتسيب والبيروقراطية والفساد التي تجر المصائب والكوارث والحوادث المميتة (كحوادث انهيارات المنازل وفيضانات المجاري والناجمة عن التخطيط العشوائي للمدن والأحياء، ومنح تصاريح البناء والتمديدات الكهربائية والصحية دون مراقبة وفحص دقيقين)، واستيائه لبعض المظاهر الدخيلة على المجتمع المحلي وعاداته (مثل التحرش بالنساء خلال خروجهن للتنزه)، وامتعاضه مما يُرتكب في بعض الجهات الخدمية من تأخير وتسويف من قبل موظفين لم يُدرَّبوا التدريب الصحيح لجهة تسخير أنفسهم وطاقاتهم لخدمة المواطن المراجع)، وتوقيره لبعض مشايخ الدين الذين لا يتشددون في فتاويهم الدينية فيخضعونها لظروف ومتغيرات العصر.

ولئن كان المعينا معروفًا بمقالاته السياسية، إلا أن كتاباته الاجتماعية كانت لها التأثير الأكبر، ومنها كتابات حول المستقبل والتغيير والقيادة التي يستشف منها إعجابه الكبير برؤى سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي ورئيس الوزراء – نائب رئيس الدولة بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث وصفه بـ«أحد الزعماء العرب القليلين الذين يصيبون الحقيقة دائما فى كبدها، ويسمون الأشياء بأسمائها الحقيقية، ولو لم يعجب هذا بعض الناس، فهو لا يعرف المواربة أو المداراة، وهو دائما يجيء بالأفكار والآراء والمقترحات المناسبة ليس لوقتنا الحاضر فقط لكن للمستقبل أيضا». وأشاد بصراحة سموه وهو يخاطب القمة العالمية للحكومات في دبي حينما اعترف «إن لدينا الكثير من القصور في بعض النواحي يستلزم معالجتها بسرعة»، مذكرا سموه بما كتبته صحيفة (التليغراف) البريطانية في أعقاب حرب عام 1967، من أن العرب رغم كل ثرواتهم وإمكاناتهم المهولة يفتقدون شيئا واحدا مهما وهو «القيادة»، بمعنى أن «الحلقة المفقودة» هي القيادة الغائبة.

 

شاهد أيضاً

دروس في المهارات

بقلم – سلمان بن محمد العُمري: قل أن تجد بيتاً لا يوجد فيه جهاز كمبيوتر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *